اختر صفحة

هل ترك الآب الإبن  ” تفسير عبارة إلهي إلهي لماذا تركتني “

 

يقول البعض في تفسير العبارة التي نطق بها السيد المسيح على الصليب وهي إلهي إلهي لماذا تركتني أن الآب قد تخلى عن الإبن! وان لولا ترك الآب للابن ما استطاع أن يصلب وما امكن أن يموت! وان الآب تخلى عن الإبن ليتحمل اللعنة وحده ولا يتحملها الآب معه! بل ولولا ترك الآب للابن ما كان ممكنا أن يموت المسيح ابدا فترك الآب هو الذي جعل موت المسيح على الصليب ممكنا.

الحقيقة عبارات في منتهى الخطورة وبعيدة كل البعد عن المفهوم اللاهوتي السليم سواء للاهوت السيد المسيح أو تجسده أو موته على الصليب أو اتحاده ووحدته مع الآب أو حتى طريقة الموت الذي حدث على الصليب للسيد المسيح .

فهل معنى عبارة السيد المسيح إلهي إلهي لماذا تركتني كانت تعني تخلي حقيقي وترك حقيقي من الآب للإبن؟

وهل معنى العبارة هو أن الآب قد ترك الإبن ولولا هذا الترك لما مات المسيح بل وتحمل الآب لعنة الإبن؟

الحقيقة أن هذا التفسير الخاطيء بعيد كل البعض عن تفسيرات الكنيسة لهذه الاية وتعليم الكنيسة فيها كما سنوضح لاحقا ولكن نوضح أولا طبيعة الوحدة بين الآب والإبن هل يمكن أن تنفصل هذه الوحدة بترك الآب للابن على خشبة الصليب؟

ثم ما معنى هذا الترك وهذا التخلي هل الآب ترك الإبن لاهوتيا؟ وهل الإبن عندما تركه الآب قد فارقه لاهوته حتى يمكن أن يموت على الصليب كما قيل في  العبارات السابقة؟ وما هي طبيعة ونوع وكيفية هذا الترك؟

كيف نقول انه لولا ترك الآب للابن لتحمل اللعنة معه؟ فهل تحمل السيد المسيح اللعنة بلاهوته؟ وهل ترك الآب له يجعله لا يشترك في اللاهوت؟ ثم هل الصلب والامه ولعنته كانت تصيب اللاهوت ام الناسوت فقط؟

كذلك كيف نقول أن لولا ترك الآب للابن ما كان ممكنا أن يموت المسيح على الصليب؟

ألم يخبرنا السيد المسيح نفسه بان كما أن الآب له حياة في ذاته كذلك اعطى الإبن أيضا أن تكون له حياة في ذاته  يو:26:5.

الحقيقية أن هذا التفسير بعيد كل البعد عن المفهوم اللاهوتي الصحيح لعلاقة الآب بالإبن أو موت المسيح على الصليب وايضا بعيد عن التفسير الآبائي السليم

فالإبن عندما تجسد اخذ جسدا مشابها لنا في كل شيء ما خلا الخطيئة وحدها وكان لاهوته متحدا بناسوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير كذلك لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين.

لاهوت السيد المسيح لم يفارق ناسوته منذ اللحظة الأولى للتجسد الإلهي كانت اللاهوت متحدا بالناسوت اثناء حياة المسيح واثناء الصلب وأثناء الموت على الصليب ولم يفارقه اللاهوت ابدا ولكن اللاهوت لم يتحمل اللعنة ولم يتحمل الالام وايضا لم يترك السيد المسيح اثناء الموت أيضا.

 

فالموت كان موت للجسد وحسب إيمان كنيستنا أن الموت حدث بانفصال الروح الانسانية عن الجسد الانساني للسيد المسيح ولكن لم ينفصل اللاهوت عن الجسد ولا عن الروح الانساني ونزل السيد المسيح بروحه الانسانية إلي الجحيم وحرر الارواح التي ماتت على الرجاء ونقلها من الجحيم إلي الفردوس وفي اليوم الثالث قام السيد المسيح بقوة لاهوته فرجعت الروح الانسانية إلي الجسد المسجى في القبر ليقوم السيد المسيح معلنا غلبته  وانتصاره على الموت.

وبالطبع لاهوت السيد المسيح هو واحد مع لاهوت الآب لانه واحد مع الآب في الجوهر ولم ولا يمكن أن يتركه في اي حال من الاحوال!

اننا بهذه الاراء الغريبة كاننا نفصل بين لاهوت السيد المسيح وبين ناسوته ونفصل بين لاهوت الآب ولاهوت الإبن وكأننا نقول أيضا أن الذي مات على الصليب مجرد انسان غير متحد مع الآب وكأن عبارة السيد المسيح : انا والآب واحد  يو 30:10 أو انا في الآب والآب في يو 10:14 أو فصدقوني اني في الآب والآب في يو 11:14  جميعها عبارات تخص وقت معين ولا تخص وقت الصليب فالآب كما قيل ترك الإبن وتخلى عنه على خشبة الصليب!!

اما عن شرح العبارة كما شرحها الآباء : يقول القديس كيرلس الكبير  في تفسيره لاية إلهي إلهي لماذا تركتني: نحن نفتخر بصليب مخلِّصنا المسيح، ونؤمن أننا خَلُصنا؛ لأن كلمةالله صار إنساناً لأجلنا وصُلِب لأجلنا، لكي يُبطِل الموت الذي يسري علينا كي يُقيمنا أيضاً بذاته محوِّلاً إيانا من حالة الفساد إلى حالة عدم الفساد  لذلك كان ينبغي عليه أيضاً أن يبرهن – وقت الألم – على أنه صار حقاً إنساناً، وليس بحسب الخيال، ولأجل هذا السبب بالضبط، صرخ وتحدث بما يتناسب مع إنسان، وقال: “إلهي إلهي لماذا تركتني” (مت 27: 46)، “فلتعبر عني هذا الكأس” (مت 26: 39). بينما بأعماله برهن على أنه هو الله، هذا الذي لأجلنا صار إنساناً، واحتمل هذه الأمور البشرية على الصليب لأجل خلاصنا جميعاً.لأن الشمس أخفت شعاعها ولفَّ الظلامُ السماءَ، وانشقت الصخور وحجاب إلهيكل. وصنع أموراً أخرى عظيمة مثل هذه لكي يبرهن أنه هو الله الذي صار إنساناً. لذلك أيضاً، فإن صالبيه، الذين كانوا يستهزئون به من قبل، وهم يرون كل ما صار بطريقة إلهية، قالوا: “حقاً كان هذا هو ابن الله” (مت 26: 24)[1]

ايضا . كلمة الله صار إنساناً، لا لكي يتصرَّف ويتحدَّث مثلما كان قبل تأنُّسه كإله، لكن لكي يقول ويتصرَّف كإنسان بالشكل الذي يتناسب مع احتياجات خطة التدبير الإلهي. فإذا كان هذا هو مفهوم سرَّ التأنُّس، فكيف يُعقل أن يَعثُر فيه كل الذين يسمعونه يتحدَّث بشرَّياً؟ لأنه يتحدَّث كإنسان، بل ويتحدَّث أيضاً كإله آخذاً سلطة الاثنين معاً. فكإنسان قال: “الآن نفسي قد اضطربت”، بينما كإله: “ليس أحد يأخذها مني، بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضاً” (يو 10: 18).

الاضطراب إذن هو من ضمن أوجاع الجسد الخاصة، بينما السلطان الذي له ليقدَّم حياته ذبيحةً، وأيضاً ليأخذها، هو من عمل قوة الكلمة. فإذا كنا لا نعثر عندما يقول شيئاً بكونه إلهاً، بالرغم من أنه يبدو كإنسان، بل أيضاً نقصد الكلمةالذي اتخذ جسداً. هكذا الأمر عندما يقول شيئاً كإنسان، علينا أن لا نعثر متفكرين في أنه لأجلنا صار إنساناً، ولذلك يقول هذه الأقوال التي تتناسب مع الطبيعة البشرية [2] وبالطبع كلام القديس القديس كيرلس الكبير هو عكس الاراء الغريبة التي ذكرناها

 

ايضا يقول قداسة البابا شنودة الثالث عن هذه العبارة :

هذه العبارة (إيلي إيلي لما شبقتني؟) لا تعني أن لاهوته قد ترك ناسوته، ولا أن الآب قد ترك الإبن.. لا تعني الانفصال، وإنما تعني أن الآب تركه للعذاب.

إن لاهوته لم يترك ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين… بهذا نؤمن، وبهذا نصلي في القداس الإلهي.. ولو كان لاهوته قد انفصل عنه، ما اعتُبِرَت كفارته غير محدودة، تعطي فداءً غير محدود، يكفي لغفران جميع الخطايا لجميع البشر في جميع الأجيال.. إذن فلم يحدث ترك بين لاهوته وناسوته.ومن جهة علاقته بالآب، فلم يتركه الآب “لأنه في الآب والآب فيه” (إنجيل يوحنا 11:14). أيضا كثير من المفسرين يرون أن الرب بقوله “إلهي إلهي لماذا تركتني” إنما كان يُذَكِّر اليهود بالمزمور الثاني والعشرون الذي يبدأ بهذه العبارة. كانوا “يضلون إذ لا يعرفون الكتب” (متى 29:22)، بينما كانت هذه الكتب “هي التي تشهد لي” (إنجيل يوحنا 39:5)، فأحالهم السيد المسيح إلى هذا المزمور بالذات الذي جاء فيه  “ثقبوا يدي وقدمي، وأحصوا كل عظامي.. وهم ينظرون ويتفرَّسون فيَّ. يقسمون ثيابي بينهم، وعلى قميصي يقترعون ” كذلك  قالها بصفته نائبًا عن البشرية. قالها لأنه “أخلى ذاته، وأخذ شكل العبد، صائرًا شبه الناس، وقد وُجِدَ في إلهيئة كإنسان” (فيلبي 8،7:2). قالها لأنه “وَضَعَ نفسه” و”أطاع حتى الموت؛ موت الصليب” (في9:2). إنه يتكلم الآن كابن للإنسان، أخذ طبيعة الإنسان، وأخذ موضعه، ووقف نائبًا عن الإنسان وبديلًا عنه أما الله، كابن بشر، وضعت عليه كل خطايا البشر، وهو الآن يدفع ديونهم جميعًا.. هنا نرى البشرية كلها تتكلم على فمه.. وإذ وضعت عليه كل خطايا البشر، والخطية انفصال عن الله، [3]

ايضا جاء في تفسير انجيل متى للقمص تادرس يعقوب ملطي عن الاية :  إنه كممثّل للبشريّة التي سقطت تحت سلطان الظلمة يصرخ في أنين من ثقلها كمن هو في حالة ترك، قائلًا: “إلهي إلهي لماذا تركتني؟” فإذ أحنَى السيِّد رأسه ليحمل خطايا البشريّة كلها صار كمن قد حجب الآب وجهه عنه، حتى يحكم سلطان الخطيّة بدفع الثمن كاملًا، فيعود بنا إلى وجه الآب الذي كان محتجبًا عنّا.[4]

هذا هو التفسير والفكر الآبائي السليم والتعليم الارثوذكسي في اية السيد المسيح على الصليب

إلهي إلهي لماذا تركتني . 

عصام نسيم

المراجع

الكتاب المقدس

كتاب سنوات مع أسئلة الناس قداسة البابا شنودة الثالث

تفسير انجيل متى  القمص تادرس يعقوب ملطي

مقال الكنوز في الثالوث المقالة الرابعة والعشرون ترجمة د جورج عوض إبراهيم

 

 

 مقال الكنوز في الثالوث المقالة الرابعة والعشرون ترجمة د جورج عوض ابراهيم [1]

[2]  المصدر السابق

 كتاب سنوات مع اسئلة الناس قداسة البابا شنودة الثالث [3]

 تفسير انجيل متى للقمص تادرس يعقوب ملطي [4]

Coptic Treasures

Send this to a friend